سلوك الجادة أجدى
بقلم: بابا الغوث
هذا الجدل الذي انعقد بين جماعات واسعة نسبيا من علماء الأحياء والفيزياء.. بهدف معرفة أصل الإنسان والبحث عما إذا كان حيوانا يتحد مع الحيوانات الأخرى في كل شيء من الأمور الأساسية.. وعما

بقلم: بابا الغوث
هذا الجدل الذي انعقد بين جماعات واسعة نسبيا من علماء الأحياء والفيزياء.. بهدف معرفة أصل الإنسان والبحث عما إذا كان حيوانا يتحد مع الحيوانات الأخرى في كل شيء من الأمور الأساسية.. وعما إذا كان أصله قردا وجد إمكانيات تؤهله إلى أن يتطور في مسار مختلف.. أما كان الأجدى لهؤلاء أن ينطلقوا من المعطيات الوحيية القائمة التي أفسحت مجال القول عن الإنسان بما يكفي لمعرفة أصله.. ومم خلق ولماذا خلق وأين ميعاده. إن هؤلاء العلماء يتركون المنهج المتبصر ويجنحون عنه إلى الدروب المظلمة مغترين بعقولهم وواهمين أنها سوف توصلهم إلى حقائق هذا الوجود. إن حقائق الوجود لا يعلمها على وجه اليقين وعلى نحو كامل وشامل إلا خالق هذا الوجود. وقد أخبر في الكتب التي أنزلها على رسله من تلك الحقائق بما يكفي الإنسان لدنياه وأخراه.. وحسب الإنسان أن يعلم من علم ذلك ما يصلح عاجله وآجله.
فمن ابتغى العلم الصحيح فليعد إلى الكتب المنزلة.. ففيها ما يحتاج إليه من أخبار الوجود، وما يحتاج إليه من أخبار الإنسان.. وسيعلم أنه شيء لا يمت بصلة إلى القردة وإنما هو مخلوق خلقه الله من التراب والماء.. ثم أجرى فيه الروح وأسماه آدم، فآدم هو الإنسان الأول أسجد الله له ملائكته وأسكنه الجنة، ثم أهبطه إلى الأرض وكرمه، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. فأمره بإعمار الأرض التي استخلفه فيها وجعلها صالحة لسكناه وقدر فيها أقواتها وبارك فيها وأمره بإقامة العدل عليها فأخبره ربه بأنه إنما خلقه لعبادته لا يريد منه غير ذلك {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} ولم يتركه هملا ليتكبد العناء والمشقة في معرفة الحقائق التي هو في حاجة ماسة إلى معرفتها، بل أرسل إليه رسلا من أبناء جلدته أرسلهم بكتب زاخرة بالأخبار الحقيقية والتعليمات القيمة حتى لا يتحبط الإنسان في البحث عما يهمه، فيتعثر أو يزيغ أو ينحرف عن الصواب. أخبره بخلقه.. وأنه خلقه لعبادته وأنه غني عنه.. وأنه تكفل له برزقه.. ولك أن تنظر إلى الرزق إن شئت لتعرف أن الله هو الذي أنشأ السحاب وأمرها بأن تمطر الأرض.. وهو الذي وضع في الأرض سر الإنبات.. وهو الذي خلق الزرع والفاكهة وجعل الرطب واليابس وكيف دافع الرغبة وسر الإشباع.. وهو الذي أدر الضرع وهو خالق الذهب والفضة والنفط وسائر المعادن.. وهو الذي علم الإنسان علم الاستفادة من هذه المعطيات وخلق الهواء الذي نتنفسه نحن والحيوانات التي خلقت لمتاعنا وذللت لنا تذليلا لنتصرف فيها وبها وفق مصالحنا وحسب إدراكنا {هل من خالق غير الله}، {قل من يرزقكم من السماء والأرض} أئمة بين العلماء الذين يكرسون وقتهم للجدال لمعرفة أصل الإنسان بزعمهم، أفيهم من يستطيع أن يخلق ذرة من هذا الوجود؟
إن الناصح الأمين لهؤلاء العلماء لا يمكن أن ينصحهم إلا بالرجوع إلى الكتب المنزلة من عند الله.. وإلى القرآن المحفوظ من التحريف والخلط.. فمنه يعرفون أصل الإنسان.. وما من وسيلة أخرى ستمكنهم من معرفة أصل الإنسان غير القرآن.
وإذا كان في اعتقادهم أنهم يستطيعون الرد على الأسئلة التي تلح عليهم اعتمادا على قوة عقولهم فهم واهمون وهما كبيرا.. فالعقل مخلوق خلقه الله ومتع به الإنسان ليستعين به على مراد الله من التعليمات التي أوحى بها إلى رسله وأمرهم بابلاغها لعباده ليعبدوه على بصيرة.. وليعبدوه كما يريد هو أن يعبد. وأن يقوموا بأمر الاستخلاف في الأرض على الوجه الذي يريده سبحانه.
العقل إذا نعمة أنعم الخالق بها على بني آدم.. وبها تميزوا عن غيرهم من المخلوقات الأخرى، فمن استعان بهذه النعمة على فهم الوحي أخذ بالحظ الأوفر واهتدى إلى المنهج السوي واستنار بنور الوحي فأضاء له الحقائق فتمكن إذ ذاك من صناعة الفعل في ظل الإرشاد الإلهي الأوضح، ومن غرته تلك النعمة فاعتمد عليها ليدرك بها الحقائق خارج نطاق الاسترشاد بالوحي فهو يتخبط في ظلام دامس وسوف يؤول أمره في نهاية المطاف إلى خسران مبين.
ودليل الخسران واضح جلي فالعلماء الذين يغترون بالعقل هم النخبة اللامعة التي وضعت ثقلها في هذا الجدل، ورغم لمعانها والثقة العلمية التي تتمتع بها لم تستطع أن تبرز رأيا قويا ساطعا مشبعا بالدلالات الحاسمة حول مسألة أصل الإنسان بل ولم تتفق هذه النخبة على رأي واحد، وقد طلعت أعمالها عبارة عن تدبيجات من الأدب التكفيري المشبع بالطرافة والصيغ التعبيرية الجميلة، من حيث النسق والرص. وهي من الهدف الذي كرست له في بعد السماء عن الأرض.. فلا الذين زعموا بأن الإنسان قرد في الأصل قدموا براهين شافية لدعم زعمهم وإعطائه قوة علمية مقنعة.. ولا الذين نفوا هذا الزعم دعموا نفيهم ببراهين قطعية كفيلة بإخراج ذلك الزعم من نطاق الاعتبار، وإن حاولوا إبراز بعض الخصائص التي تميز الإنسان عن القرد كالمشاعر والتفكير المركب ونحو ذلك من الظواهر التي لا تبعد الإنسان مسافة بعيدة عن شبهه بالقرد. من قال إن القرد ليست له مشاعر حادة وفياضة، وأنه لا يفكر في أبعاد الزمن الثلاث الماضي والحاضر والمستقبل؟!
قد يكون للقرد هذه الخصائص أو خصائص هي على شاكلتها أو قريبة منها.. وقد لا يكون له شيء من ذلك على الإطلاق.. المهم في الأمر أنه لا شيء من الإنسان بقرد ولا رابط بين الاثنين إلا أنهما عبدان لله أحدهما كرمه الله واستخلفه وكلفه وأعطاه السيادة على الأرض وسلحه بما يلزم للمستخلف من عقل وقوة وعلم ومال. هذا هو الإنسان.. أما أصله فقد قال الله سبحانه وتعالى أنه خلقه من طين من حمإ مسنون. والطين: تراب عجن بماء. ثم جعله نسلا متسلسلا حتى يرث الله الأرض ومن عليها. تلكم هي الجادة وسلوكها أجدى في معرفة الحقائق.
